ابن قيم الجوزية
325
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
دون كونه موجودا أو محدثا ، فكونه كسبا وصف للوجود بمثابة كونه معلوما . ولخّص بعض متأخريهم هذه العبارات بأن قال : الكسب عبارة عن الاقتران العادي بين القدرة المحدثة والفعل ، فإن اللّه سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل ، عند قدرة العبد وإرادته ، لا بهما ، فهذا الاقتران هو الكسب . ولهذا قال كثير من العقلاء : إن هذا من محالات الكلام ، وإنه شقيق أحوال أبي هاشم « 1 » وطفرة النّظّام « 2 » ، والمعنى القائم بالنفس الذي يسميه القائلون به كلاما ، وشيء من ذلك غير معقول ولا متصور ، والذي استقر عليه قول الأشعري أنّ القدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها ، ولم يقع المقدور ولا صفة من صفاته ، بل المقدور بجميع صفاته واقع بالقدرة القديمة ، ولا تأثير للقدرة الحادثة فيه ، وتابعه على ذلك عامة أصحابه ، والقاضي أبو بكر يوافقه مرة ، ومرة يقول : القدرة الحادثة لا تؤثر في إثبات الذات وإحداثها ، ولكنها تقتضي صفة للمقدور زائدة على ذاته ، تكون حالا له ، ثم تارة يقول : تلك الصفة التي هي من أثر القدرة الحادثة مقدورة للّه تعالى ، ولم يمتنع من إثبات هذا المقدور بين قادرين على هذا الوجه ، وقد اضطربت آراء أتباع الأشعري في الكسب اضطرابا عظيما ، واختلفت عباراتهم فيه اختلافا كثيرا . وقد ذكره كله أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري في « شرح الإرشاد »
--> ( 1 ) أبو هاشم عبد السلام بن أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبّائي المعتزلي ، توفي سنة 321 . ( 2 ) النّظّام أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار المتكلم البصري القدري . مات سنة بضع وعشرين ومائتين ، وقد مر .